نور الدين عتر

36

علوم القرآن الكريم

لكن التحقيق أن حديث جابر لا يتحدث عن ابتداء الوحي الأول إنما يتحدث عن أول ما نزل بعد فتور الوحي ، وهو هذه الآيات من سورة المدثر ، وهي أول ما نزل من القرآن يأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالإنذار . يدل على ذلك ما ثبت في الحديث نفسه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري في حديثه السابق وفيه قوله : . . فإذا الملك الذي جاءني بحراء » « 1 » . وليس بخاف ما في هذا الافتتاح لبدء الوحي ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . . . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ من الحكمة الجليلة حتى أن الخطباء والكتّاب والأدباء لا يملّون من القول فيها ، ومن أن يرددوه في كل مناسبة تقال عن العلم وعن الحضارة ، وعن الثقافة وعن القرآن وعن الإسلام ، وعن أثر القرآن في تحويل العالم ، ولا سيما إذا قارنّا ذلك بما افتتح به كتاب آخر لدى الأمم الأخرى « 2 » . آخر ما نزل من القرآن الكريم أقوى الآراء وأرجحها في آخر ما نزل من القرآن مطلقا أنه قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . ثبت ذلك من طرق عن عبد اللّه بن عباس ، وروي عن أبي سعيد أيضا . وقد ورد أنه صلّى اللّه عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال .

--> ( 1 ) انظر ما سبق ، ونحوه ثابت عندهما من أكثر من وجه يؤكد ما قلناه ، وأما ادعاء أن سورة المدثر نزلت بتمامها جملة واحدة فلا يتلاءم مع ما ذكرناه في سبب نزولها ، فإنها أسباب متعددة ومتباعدة في الزمن ، وقد نزل لكل سبب منها جملة من آيات من السورة ، فضلا عن افتقار هذا القول للدليل المثبت . ( 2 ) نلفت النظر هنا للعبارة البليغة التي عبّر بها الأستاذ مالك بن نبي رحمه اللّه في كتابه إنتاج المستشرقين ص 32 فليرجع إليه .